Browse Results

Showing 1 through 25 of 1,050 results

الفوائد

by ابن القيم

أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها‏.‏ وتتضرع إليه ألا يقطعان عنك، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فنبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك‏.‏ وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد‏.‏ وكل شر فأصله خذلانه لعبده‏.‏ وأجمعوا أن التوفيق ألا يكلك الله نفسك وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك‏.‏ فإذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد العبد فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجئ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مُرْتَجًا دونه‏.‏ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏:‏ إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء فإن الإجابة معه‏.‏ وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدرهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم‏.‏ وما أتي من أتي إلا من قِبَل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء‏.‏ وملاك ذلك الصبر فإنه من الإيمان بمنزله الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء لجسد‏.‏ ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله‏.‏ خلقت النار لإذابة القلوب القاسية‏.‏ أبعد القلوب من الله القلب القاسي‏.‏ إذا قسا القلب قحطت العين‏.‏ قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة‏:‏ الأكل والنوم والكلام والمخاطبة‏.‏ كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب‏.‏ فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ‏.‏ من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته‏.‏ القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها‏.‏ القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها‏.‏ شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وظرف الفوائد‏.‏ إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقي من الدغل،‏ رأى العجائب وألهم الحكمة‏.‏ ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى‏.‏ وأما من قتل قلبه فأحيا الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه‏.‏ خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر‏.‏ إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد‏.‏ الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا‏.‏ من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق‏.‏ لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة‏.‏ إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همته بخدمته‏.‏  

الرسالة

by الإمام الشافعي

قال الشافعي‏:‏ فقال لي قائل‏:‏ ما العِلْمُ‏؟‏ وما يَجِبُ على الناس في العلم‏؟‏ فقلت له‏:‏ العلم عِلْمان‏:‏ علمُ عامَّةٍ، لا يَسَعُ بالِغاً غيرَ مغلوب على عقْلِه جَهْلُهُ‏.‏ قال‏:‏ ومِثْل ماذا‏؟‏ قلت‏:‏ مثلُ الصَّلَوَاتِ الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهْر رمضانَ، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرَّمَ عليهم الزِّنا والقتْل والسَّرِقة والخمْر، وما كان في معنى هذا، مِمَّا كُلِّفَ العِبادُ أنْ يَعْقِلوه ويعْملوه ويُعْطُوه مِن أنفسهم وأموالهم، وأن يَكُفُّوا عنه ما حرَّمَ عليهم منه‏.‏ وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم موجود نَصًّا في كتاب الله، وموْجوداً عامًّا عنْد أهلِ الإسلام، ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم، يَحْكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم‏.‏ وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازعُ‏.‏ قال‏:‏ فما الوجه الثاني‏؟‏ قلت له‏:‏ ما يَنُوبُ العِباد مِن فُروع الفرائض، وما يُخَصُّ به مِن الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نصُّ كتاب، ولا في أكثره نصُّ سنَّة، وإن كانت في شيء منه سنةٌ فإنما هي مِن أخْبار الخاصَّة، لا أخبارِ العامَّة، وما كان منه يحتمل التأويل ويُسْتَدْرَكُ قِياسًا‏.‏ قال‏:‏ فيَعْدُو هذا أن يكون واجِبًا وجوبَ العلم قبله‏؟‏ أوْ مَوْضوعاً عن الناس عِلْمُه، حتَّى يكونَ مَنْ عَلِمَهُ مُنْتَفِلاً، ومَنْ تَرَكَ علْمَه غيرَ آثِمٍ بِتركه، أو مِنْ وَجْهٍ ثالثٍ، فتُوجِدُنَاهُ خَبَرًا أو قياسا‏؟‏ فقلت له‏:‏ بلْ هو مِن وجه ثالثٍ‏.‏ قال‏:‏ فصِفْهُ واذْكر الحجَّةَ فيه، ما يَلْزَمُ منه، ومَنْ يَلْزَمُ، وعنْ مَنْ يَسْقُطُ‏؟‏ فقلت له‏:‏ هذه درجةٌ مِن العلم ليس تَبْلُغُها العامَّةُ، ولم يُكَلَّفْهَا كلُّ الخاصَّة، ومَن احتمل بلوغَها مِن الخاصة فلا يَسَعُهُمْ كلَّهم كافةً أنْ يُعَطِّلُوهَا، وإذا قام بها مِن خاصَّتِهم مَنْ فيه الكفايةُ لم يَحْرَجْ غيرُه ممن تَرَكَها، إن شاء الله، والفضْل فيها لمن قام بها على مَنْ عَطَّلَهَا‏.‏ فقال‏:‏ فأوْجِدْنِي هذا خبراً أو شيئاً في معناه، ليكون هذا قياساً عليه‏؟‏ فقلتُ له‏:‏ فَرَضَ اللهُ الجِهادَ في كتابه وعلى لسانِ نبِّيه، ثم أكَّدَ النَّفِير مِن الجهاد، فقال‏:‏ ‏}إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالقُرَآن، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{‏ التوبة‏:‏111  

عنترة

by أحمد شوقى

  نالت هذه المسرحية شهرة عربية وعالمية، وتم تنفيذها سينيمائيًا ومسرحيًا، كما تم تقريرها في المناهج الدراسية على طلبة المدارس والجامعات، وكذلك على مسارح الجامعات والمعاهد العليا وقصور الثقافة وغيرها.....  في منتصف القرن الأول قبل الهجرة تقريبًا.. ببادية نجد  .. وتحديدًا في مضارب أو أحياء يني عبس وبني عامر وما بينهم.  تقع أحداث هذه المسرحية الشعرية التي تحكي قصةً من أشهر قصص الحب في التاريخ العربي، وهي قصة  فارس بني عبس ومحبوبته وابنة عمه عبلة.. وتتخذ من الأسماء العربية الشهيرة شخصياتها: (عنترة)  فارس بني عبس، أسود لأمه، (عبلة) محبوبة عنترة وابنة عمه، (مالك)  أبو عبلة، (زهير) أخو عبلة، (عمرو) أخو عبلة، (صخر) سري من سراة عامر يحب عبلة ويتردد على حيها ويخطبها، (ضرغام) فارس شاب من فرسان عبس يحب عبلة ويخطبها كذلك، (ناجية) فتاة من عبس تحب صخرًا، ( شدّاد) أبو عنترة، (داحس) رفيق عنترة، والعبدان (مارد غضبان)، ( رستم ) قائد الفرس، (سعاد) خادمة عبلة. إضافة إلى شخصيات أخرى: رجال وخدم وفتيات من عبس وعامر، راقصات ومغنيات وزامرون، ولصوص... إلخ.  وفي هذا النص الروائي تلعب الدراما دورًا كبيرًا في إبراز الصراع بين القوى البشرية المتفاوتة على مدى22 مشهدًا هي زمن الفصل الأول و14 مشهدًا هي زمن الفصل الثاني وحوالي 18 مشهدًا هي زمن الفصلين الثالث والرابع... كما يلعب الديكور والملابس دورًا هامًا في إعطاء الإحساس بالجو العام لزمن الرواية، ونقل الحالة الشعورية التي هي لسان حال الشخصيات، فنلاحظ الإصرار على وجود النخيل والخيام وخباء النساء والرمال والكثبان والربوة العالية على خشبة المسرح.. وكذلك أصوات الطبيعة الخلابة من حفيف الشجر والنخيل وأصوات القصاع والسيوف ونباح الكلاب، ومجالس الأنس والقهوة العربية، والغناء باللغة العربية الفصحى التي هي لغة أرض نجد والحجاز موقع الأحداث.

العبرات

by مصطفي لطفي المنفلوطي

ما أكثر أيام الحياة وما أقلّها! لم أعش من تلك الأعوام الطوال التي عشتها في هذا العالم إلا عامًا واحدًا مرّ بي كما يمر النجم الدهريُّ في سماء الدنيا ليلة واحدة، ثم لا يراه الناس بعد ذلك. قضيت الشطر الأوّل من حياتي أفتش عن صديق ينظر إلى أصدقائه بعين غير العين التي ينظر بها التاجر إلى سلعته، والزارع إلى ماشيته، فأعوزني ذلك حتى عرفت فلانًا منذ ثماني عشرة عامًا، فعرفت امرءًا، ما شئت أن أرى خلة من خلال الخير والمعروف في ثياب رجل إلا وجدتها فيه، ولا تخيلت صورة من صور الكمال الإنساني في وجه إنسان إلا أضاءت لي في وجهه، فجلَّت مكانته عندي، ونزل من نفسي منزلة لم ينزلها أحد من قبله، وصفت كأس الود بيني وبينه لا يكدرها علينا مكدر.  حتى عرض لي من حوادث الدهر ما أزعجني من مستقري، فهجرت القاهرة إلى مسقط رأسي غير آسف على شيء فيها إلا على فراق ذلك الصديق الكريم، فتراسلنا حقبة من الزمن، ثم فترت عني كتبه ثم انقطعت، فحزنت لذلك حزنًا شديدًا، وذهبت بي الظنونَ في شأنه كل مذهب، إلا أن أرتاب في صدقه ووفائه، وكنت كلما هممت بالمصير إليه لتعرّف حاله قعد بي عن ذلك همٌّ كان يقعدني عن كل شأن حتى شأن نفسي، فلم أعد إلى القاهرة إلا بعد عدة أعوام فكان أول همي يوم هبطت أرضها أن أراه، فذهبت إلى منزله في الساعة الأولى من الليل فرأيت ما لا تزال حسرته متصلة بقلبي حتى اليوم. تركت هذا المنزل فردوسًا صغيرًا من فراديس الجنان تراءى فيه السعادة في ألوانها المختلفة، وتترقرق وجوه ساكنيه بشرًا وسرورًا، ثم زرته اليوم فخيِّل إلى أنني أمام مقبرة موحشة ساكنة لا يهتف فيها صوت ولا يتراءى في جوانبها شبحٌ، ولا يلمع في أرجائها مصباح، فظننت أني أخطأت المنزل الذي أريده، أو أنني بين يدي منزل مهجور حتى سمعت بكاء طفل صغير، ولمحت في بعض النوافذ نورًا ضعيفًا، فمشيت إلى الباب فطرقته، فلم يجبني أحد فطرقته أخرى فلمحت من خصاصه نورًا مقبلاً ثم لم يلبث أن انفرج لي عن وجه غلام صغير في أسمال بالية، يحمل في يده مصباحًا ضئيلاً فتأملته على ضوء المصباح، فرأيت في وجهه صورة أبيه، فعرفت أنه ذلك الطفل الجميل المدلل الذي كان بالأمس زهرة هذا المنزل وبدر سمائه، فسألته عن أبيه فأشار إليَّ بالدخول ومشى أمامي بمصباحه حتى وصل بي إلى قاعة شعثاء مغبرة، بالية المقاعد والأستار، ولولا نقوش لاحت لي في بعض جدرانها كباقي الوشم في ظاهر اليد ما عرفت أنها القاعة التي قضينا فيها ليالي السعادة والهناء اثني عشر هلالاً، ثم جرى بيني وبين الغلام حديث قصير عرف فيه من أنا، وعرفت أن أباه لم يعد إلى المنزل حتى الساعة، وأنه عائد عما قليل.. ثم تركني ومضى وما لبث إلا قليلاً حتى عاد يقول لي: إن والدته تريد أن تحدثني حديثًا يتعلق بأبيه، فخفق قلبي خفقة الرعب والخوف، وأحسست بشر لا أعرف مأتاه ثم التفتُّ فإذا امرأة ملتفة برداء أسودَ واقفة على عتبة الباب فحيتني فحييتها، ثم قالت لي: هل علمت ما صنع الدهر بفلان من بعدك؟ قلت: لا، فهذا أول يوم هبطت فيه هذا البلد بعد ما فارقته سبعة أعوام، قالت: ليتك لم تفارقه، فقد كنت عصمته التي يعتصم بها وحماه من غوائل الدهر وشروده، فما هي إلا أن فارقته حتى أحاطت به زمرةٌ من أمر الشيطان، وكان فتى كما تعلمه غريرًا ساذجًا، فما زالت تغريه بالشر وتزين له منه ما يزين الشيطان للإنسان حتى سقط فيه، فسقطنا جميعًا في هذا الشقاء الذي تراه، قلت: وأي شر تريدين يا سيدتي؟  

الموطأ

by ألأمام مالك بن أنس الأصبحي

حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ فَقَالَ مَرْوَانُ وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ ‏.‏ فَقَالَ عُرْوَةُ مَا عَلِمْتُ هَذَا ‏.‏ فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏"‏ إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ‏"‏ ‏.‏ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أُمْسِكُ الْمُصْحَفَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَاحْتَكَكْتُ فَقَالَ سَعْدٌ لَعَلَّكَ مَسِسْتَ ذَكَرَكَ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ ‏.‏ فَقَالَ قُمْ فَتَوَضَّأْ فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ ‏.‏ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ‏.‏ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ‏.‏ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَتِ أَمَا يَجْزِيكَ الْغُسْلُ مِنَ الْوُضُوءِ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أَحْيَانًا أَمَسُّ ذَكَرِي فَأَتَوَضَّأُ ‏.‏ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قَالَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ هَذِهِ لَصَلاَةٌ مَا كُنْتَ تُصَلِّيهَا ‏.‏ قَالَ إِنِّي بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأْتُ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ مَسِسْتُ فَرْجِي ثُمَّ نَسِيتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ فَتَوَضَّأْتُ وَعُدْتُ لِصَلاَتِي ‏.‏

العقيدة الواسطية

by ابن تيمية

هذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. ـ ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته ، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا سميّ له، ولا كُفُوَ له، ولا نِدَّ له ، ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه. ـ ثم رسله صادقون مصدوقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين} فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل ، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب. ـ وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمىَّ به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون. فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ـ وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: {قل هو الله أحد ، الله الصمد، لم يلد ، ولم يولد ، ولم يولد ، يكن له كفواً أحد} وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه، حيث يقول: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسِيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما - أي لا يَكْرِثه ولا يُثْقِلُه - وهو العلي العظيم} ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح .

أسواق الذهب

by أحمد شوقى

قلْ لا أعرِف الرِّقّ، وتقيَّد بالواجب وتقيَّد بالحقّ؛ الحرية وما هِيَه؟ "الحُمَيراءُ"  الغالية، فِتنةُ القرون الخالية، وطَلِبةُ النفوسِ العالية؛ غِذاءُ الطّبائع، ومادّةُ الشرائع، وأُمُّ الوسائل والذَّرائع؛ بنتُ العلم إذا عمّ، والخلق إذا تمّ، وربيبة الصبر الجميل والعمل الجمّ؛ الجهلُ يئدُها، والصغائرُ تُفسدُها، والفُرْقةُ تُبعدُها؛ تكبيرةُ الوجود، في أُذُن المولود؛ وتحية الدُّنيا له إذا وصل، وصيْحة الحياة به إذا نَصَل؛ هاتِفٌ منَ السماءِ يقولُ له: يا ابنَ آدم؛ حَسْبُكَ من الأسماءِ عبدُ الله وسيّدُ العالَم، وهي القابلة التي تستقبله، ثم تسرُّهُ وتُسَرْبلُه، وهي المهدُ والتميمَة، والمُرضعُ الكريمة، المنجبة كـ "حليمة". ألبانُها حياة، وأحضانُها جنَّات. وأنفاسُها طيِّبات. العزيزُ من وُلدَ بين سَحْرِها ونَحْرها، وتعلق بصدرِها، ولعِبَ على كَتِفها وحِجرها، وترعرعَ بين خِدرها وسِترها.. ضجيعةُ موسى في التابوت، وَجاوَرَتْه في دار الطاغوت، والعصا التي توكأ عليها، والنَّارُ التي عشَا إليها، جبلّةُ المَسيح، السِّيدِ السَّميح، وإنجيلُه، الذي حاربُه جيلُه، وسَبيلُه، الذي جانَبَهُ قَبيلُه، طِينةُ محمدٍ عن نفسِه، عن قومِه، عن أمسِه، عن يومه، أنسابٌ عالية، وأحسابٌ زاكية، وملوكٌ بادية، لم يَدنهم طاغية، وهي رُوحُ بيانِه، ومُنحدَر السُّوَر على لسانِه، الحرِّية، عقدُ الملك، وعهدُ المَلْك، وسًكان الفُلْك، يدُ القلم، على الأمم، ومِنحة الفكر، ونفحة الشعر وقصيدة الدهر، لا يُستَعْظَمُ فيها قرْبان، ولو كان الخليفة عثمان بن عفان، جنينٌ يحمَلُ به في أيام المحْنَة، وتحتَ أفياء الفتنة، وحينَ البغي سيرة السَّامَّة ، والعدوان وتيرة العامَّة، وعندَما تناهى غفلة السواد، وتفاقم عَبث القوَّاد، وبين الدَّم المطلول، والسيف المسلول، والنظم المحلول، وكذلك كان الرُّسلُ يولدون عندَ عموم الجهالة، ويُبعثون حين طمُوم الضلالة؛ فإذا كَملَتْ مدَّتُه. وطلَعتْ غُرَّتهُ، وسطعَتْ أُسِرَّتُه، وصحَّتْ في المهد إمرتُه، بدّلت الحالَ غيرَ الحال، وجاءَ رجالٌ بعدَ الرِّجَال؛ دينٌ ينفسحُ للصادقِ والمنافق، وسوقٌ يتَّسع للكاسِد والنَّافق، مولودٌ حمْلُهُ قرُون، ووضعُهُ سِنُون، وحَداثتُه أشغالٌ وشئون، وأهوالٌ وشجون، فرحِمَ الله كلَّ من وطَّأ ومهَّد، وهيَّأ وتعهَّد، ثم استشهدَ قبلَ أن يشهَد. إذا أحرزت الأُممُ الحرِّيَّة أتت السيادةُ من نفسِها، وسعت الإمارةُ على رأسِها، وبُنِيَت الحضارةُ من أُسِّها؛ فهي الآمرُ الوازع، القليلُ المُنازِع، النبيلُ المشاربِ والمَنَازع؛ الذي لا يتخذ شِيعة، ولا صنيعة، ولا يَزْدهي بخديعة؛ خازنٌ ساهر، وحاسبٌ ماهر؛ دانقُ الجماعة بذمةٍ منهُ وأمان، ودِرْهَمُهم في حِرْزهِ دِرْهَمَان. "فيا ليلى" ماذا مِن أترَاب، وارَيْتِ التراب؟ وأخدان، أسلمتِ للديدان؟ عُمَّالٌ للحق عُمَّار، كانوا الشُّموسَ والأقمار، فأصبحوا على أفواه الرُّكَّاب والسُّمار؛ وأين قيسُك المعولِ؟ ومجنونُك الأوَّل؟ حائطُ الحقُّ الأطوَل، وفارسُ الحقيقةِ الأجوَل؛ أين مصطفى؟ زينُ الشباب، ورَيْحان الأحباب. وأوَّلُ من دَفع الباب، وأبرزَ النَّاب، وزأرَ دون الغاب؟...  

أميرة الأندلس

by أحمد شوقى

            "الملك نشوان ومعه مضحكه مقلاص يدنو من زورق على الوادي الكبير فيثب فيه ويقول" الملك       :         انظر يا مقلاص إلى هذا الزورق ما ألطفه، صدق القول: كل صغير لطيف. مقلاص    :         إلا وظيفتي في قصرك فإنها لا لطيفة ولا شريفة، وإن هذا الزورق قد ينقلب فيأخذ شكل النعش، ولن يكون النعشُ لطيفًا أبدًا. الملك       :         هبه انقلب يا مقلاص فصار نعشًا، أليس النعشُ مركبَ كل حي وإن طالتْ سلامته! مقلاص    :         أما أنا فيعفيني الملك. الملك       :         لا يا مقلاص لا أعفيك، ولا أحسبك تدعني أسير في لجة النهر وحدي وأنا كما تراني نشوان. مقلاص    :         وإن كان ولابد أيها الملك فإني أقترح.. الملك       :         وما تقترح؟ مقلاص    :         أن أكون أنا المجدِّفَ وحدي. الملك       :         ولماذا؟ مقلاص    :         الأمر بيِّن! التيار مجنون، والسكر مجنون، وأنت سلطان وكل سلطان مجنون. وهذا الزورق خشبة لا عقل لها فهو أيضًا مجنون؛ وإني أربأ بحياتي أيها الملك أن أجمع عليها مجانين أربعة. الملك       :         (مستضحكًا) لا يكون إلا ما اقترحتَ يا مقلاص، تعال اركب وجدف وحدك واترك لي أنا الدفة. مقلاص    :         أما هذا فنعم. وإني أرجو أن تكون دفة هذا المركب الصغير أحسن مصيرًا في يديك من دفة المملكة. الملك       :         (مستضحكًا) تعال ثب؛ هات يدك. (مقلاص ينزل إلى الزورق ويأخذ المجدافين). الملك       :         انظر يا مقلاص وراءك، إني أرى قاربًا يندفع نحونا مسرعًا كأنه حوت مطارد مذعور. مقلاص    :         هو ذا قد دنا منا يا مولاي، فأحسن مسك الدفة واجتنب الصدمة، وأنا أزوده عنا بمجدافي هذا وأضربه ضربة تقذف به إلى الشاطئ الآخر من النهر. الملك       :         إياك أن تفعل بل ائسره، فلابد لنا أن نؤدب هذا الشاب المغرور، فإني أرى الملاح فتى كريم الهيئة فهو لاشك من أبناء أعيان أشبيلية. (يصطدم الزورقان ويظهر مقلاص ارتباكًا وجبنًا، فيقبض الملك على الزورق المهاجم بيد قوية ويقول لمقلاص) الملك       :         اقذف الآن به إن استطعت إلى الشاطئ الآخر من النهر (ثم يلتفت إلى الشاب الملاح ويقول) مكانك أيها الغلام الوقاح، ما هذه الجرأة على التيار وعلى شبابك هذا الغض النضير! وما غرك بالملك حتى قربت عودك من عوده تريد أن تأخذ عليه الطريق. الملاح     :         مولاي إن الرعية يهفون، وإن الملوك يعفون، وزورقي إنما اندفع بقوة التيار القاهر فوافق مرور مركبك المحروس، فكان ما كان مما أعتذر للملك منه. الملك       :         (بصوت منخفض) ويح أُذني ماذا تسمع؟ هذا الصوت أعرفه؟ (ثم يلتفت إلى الملاح قائلاً): قد عرفت أيها الفتى من نحن، فعرفنا بنفسك. (يرفع الملاح قناعه) الملك       :         (صائحًا) بثينة! الأميرة     :         (الملاح) أجل أيها الملك ابنتك وأمتك بثينة. الملك       :         عجبًا! أأنتِ هنا بين العبب والتيار، وعلى هذا العود الذي يشفق أبوك من ركوبه، وأبوك من تعلمين أشجع العرب قلبًا؟ الأميرة     :         ولم لا تكون ابنة الملك شجاعة القلب مثله! إن الأسد لا يلد إلا اللباة. الملك       :         (يهدأ غضبه) ومن أين مجيئكِ الساعة يا بثينة؟  

صيد الخاطر

by ابن قيم الجوزي

لما كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها ثم تعرض عنها فتذهب كان من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا ينسى‏.‏ وقد قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ قيدوا العلم بالكتابة‏.‏ وكم قد خطر لي شيء فأتشاغل عن إثباته فيذهب فأتأسف عليه‏.‏ ورأيت من نفسي أنني كلما فتحت بصر التفكر سنح له من عجائب الغيب ما لم يكن في حساب فأنثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه فجعلت هذا الكتاب قيداً - لصيد الخاطر - والله ولي النفع إنه قريب مجيب‏.‏ قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة‏!‏ فتدبرت السبب في ذلك فعرفته‏.‏ ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفة من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها لسببين‏.‏ أحدهما‏:‏ أن المواعظ كالسياط والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت وقوعها‏.‏ والثاني‏:‏ أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا وأنصت بحضور قلبه فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها وكيف يصح أن يكون كما كان‏!‏‏.‏ وهذه حالة تعم الخلق إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر‏.‏ فمنهم من يعزم بلا تردد ويمضي من غير التفات فلو توقف بهم ركب الطبع لضجوا كما قال حنظلة عن نفسه‏:‏ نافق حنظلة‏!‏‏.‏ ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحياناً ويدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحياناً فهم كالسنبلة تميلها الرياح‏!‏‏.‏ وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه كما دحرجته على صفوان‏.‏ جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة ثم هي من داخل وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع من خارج‏.‏ وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى لما يسمع من الوعيد في القرآن‏.‏ وليس كذلك‏.‏ لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا كالماء الجاري فإنه يطلب الهبوط وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف‏.‏ ولهذا أجاب معاون الشرع‏:‏ بالترغيب والترهيب يقوى جند العقل‏.‏ فأما الطبع فجواذبه كثيرة وليس العجب أن يغلب إنما العجب أن يغلب‏.‏  

الملل والنحل

by أبو الفتح الشهرستاني

هذا الكتاب يحدثنا فيه الشهرستاني، أولاً عن الخلافات التي وقعت في الوحدة الإسلامية، مبيناً الفرق الإسلامية وغير الإسلامية التي ظهرت بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وما لهم من آراء ومعتقدات، وكتب، وهو في حديثه عن الفرق الغير الإسلامية أخذ يذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى وأشهر فرقهم وما أرتاه أصحاب السبت، من استقباح النسخ، وما فعلته السامرة، من عبادة العجل وما أعلنوه من أن لا نبوة لغير "موسى" "ويوشع" عليهما السلام، وما اختلفت فيه النصارى وبدلوه وغيروه في إنجيلهم، وقولهم في الواحد الأحد إنه ثلاثة أقانيم وما ابتدعته الملكانية، من امتزاج الكلمة بجسد المسيح، وقد وصفوه بأنه ناسوت كلي لا جزئي، وهو قديم أزلي، من قديم أزلي وما فعلته العيسويّة من إدعاء الربوبية لعيسى عليه السلام، وزعمت أنه كان قديماً، لا في مكان ثم تجسم فصار جسداً وما تسميته النسطورية من إسباغ اللاهوت، على عيسى عليه السلام، واستئثار ببدن الناسوت، ثم أخذ في ذكر من لهم شبه كتاب وسرد المجوسية، وأصحاب اللأثنينيه والمانوية وسائر فرقهم، وما زاغت به عقائدهم، وما عبدوه من نيران، وما اتخذوه من سنن وصلوات، وما كلفهم أن يأتوه، وما حرم عليهم من منكرات وسرد ما أباحته المزدكية من استحلال النساء، واستباحة الأموال، واعتبار الناس شركاء فيها، واستباحتهم قتل الأنفس لتخليصها من الشر ومزاج الظلمة، ... ما أتاه ديصان من إثبات أصلين نور وظلام، نور وظلام، فالخير من النور والشر من الظلام، فأثبتوا إلهين متضادين، النور والظلمة، وجعلوا لهما ثالث هو المعدل الجامع، وهو دون النور في الرتبة وفوق الظلام في المنزلة والكينونة وما ذهبوا إليه من أن الأصول ثلاثة النار والأرض والماء... ثم أخذ في سرد بيوت النيران وبنائها وأماكنها، وما ذهب إليه القوم من تعظيمها وأن في تعظيمها نجاة من عذاب النار، ثم إنه انتقل إلى الكلام على أهل الأهواء والنحل وفي مذهبه أنهم هم الذين يقابلون أرباب الديانات والملل، وذكر أنهم يعتمدون في مذاهبهم، على الفطرة السليمة، والعقل الكامل، فأخذوني ذكر الصائبة، وما ذهبوا إليه من عبادة الملائكة وما تعصبوا به للروحانيات، واعتبارهم الروحانيين، مبرئين، عن القوى الجسدانية، منزهين عن الحركات المكانية جبلوا على العم، والطهارة، ثم أخذ في سرد آرائهم، وأقاويلهم دما أجابت به الحنفاء على ترهاتهم، وأخذ يتكلم في القوى وأقسامها، وهو فى ذلك كله، متأثر بما نقل عن أرسطو طاليس في فلسفته، معتمداً على ما جاء في كتب ابن سينا، في إشاراته وشقائه ونجاته، وسرد الكلام على أصحاب الهياكل والأشخاص وأنها متوسطات، تصلهم إلى بارئهم. ثم أخذ يتكلم عن الحرناتنيين، وطريقهم وما عبدوه من النجوم وما استندوا إليه في التنجيم، وما أظهروه من الطبيعات والإلهيات ثم الرياضيات، وما ابتكروه من علوم في الوصول إلى فلسفتهم، وأخذ يقارن بين فلاسفة اليونان وحكماء العرب وحكماء البراهمة... وبعد ذلك أخذ في ذكر آراء حكماء الهنود، وآرائهم المختلفة، وسرد ما عرفه عن البراهمة، وما ذهبوا إليه من قدم العالم، ثم أخذ في بيان مشهوري طوائفهم، وما أخذوه من عقائد وعادات. ولما كان هذا الكتاب من أهم الكتب المدونة في بابها فقد اعتنى "أبو عبد الله السعيد المندوه" بتحقيقه وبالتقديم له بنمس مقدمات جاءت بـ: المقدمة الأولى: في بيان أقسام أهل العالم جملة ومرسلة. المقدمة الثانية: في تعيين قانون يبني عليه تعديد الفرق الإسلامية، المقدمة الثالثة: في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها ومن مظهرها؟ المقدمة الرابعة: في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية، وكيفية انشعابها، ومن مصدرها، ومن مظهرها؟ المقدمة الخامسة: في بيان السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب

المختار للفتوى

by ابن مودود الموصلي الحنفي

فقد رغب إلى من وجب جوابه على أن أجمع له مختصراً في الفقه على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه وأرضاه، مقتصراً فيه على مذهبه، معتمداً فيه على فتواه، فجمعت له هذا المختصر كما طلبه وتوخاه، وسميته: المختار للفتوى لأنه اختاره أكثر الفقهاء وارتضاه. ولما حفظه جماعة من الفقهاء واشتهر، وشاع ذكره بينهم وانتشر، طلب مني بعض أولاد بني أخي النجباء أن أرمزه رموزاً يعرف بها مذاهب بقية الفقهاء، لتكثر فائدته، وتعم عائدته، فأجبته إلى طلبه، وبادرت إلى تحصيل بغيته بعد أن استعنت بالله وتوكلت عليه واستخرته وفوضت أمري إليه، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يوفقني لإتمامه، ويختم لي بالسعادة عند اختتامه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.  

بداية الهداية

by ابن حامد محمد الغزالي الطوسي الشافعي

اعلم أن أوامر الله تعالى فرائض ونوافل ، فالفرض: رأس المال وهو أصل التجارة وبه تحصل النجاة ، والنفل: هو الربح وبه الفوز بالدرجات قال صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تبارك وتعالى: ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، يده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها) ، ولن تصل أيها الطالب إلى القيام بأوامر الله تعالى إلا بمراقبة قلبك وجوارحك في لحظاتك وأنفاسك حين تصبح إلى حين تمسى. فاعلم أن الله تعالى مطلع على ضميرك ، ومشرف على ظاهرك وباطنك ومحيط بجميع لحظاتك وخطراتك وخطواتك ، وسائر سكناتك وحركاتك ، وأنك في مخالطتك وخلواتك متردد بين يديه فلا يسكن في الملك والملكوت ساكن ، ولا يتحرك متحرك إلا وجبار السموات والأرض مطلع عليه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ويعلم السر وأخفى. فتأدب أيها المسكين ظاهرا وباطنا بين يدي الله تعالى تأدب العبد الذليل المذنب في حضرة الملك الجبار القهار ، واجتهد ألا يراك مولاك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك ، ولن تقدر على ذلك إلا بأن توزع أوقاتك وترتب أورادك من صباحك إلى مسائك. فاصغ إلى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى عليك من حين تستيقظ من منامك إلى وقت رجوعك إلى مضجعك.

كليلة و دمنة

by مجهول

قال علي بن الشاه الفارسي: كان السبب الذي من أجله وضع بيدبا الفيلسوف لدبشليم ملك الهند كتاب "كليلة ودمنة" أن الإسكندر ذا القرنين الرومي لمَّا فرغ من أمر الملوك الذين كانوا بناحية المغرب سار يريد ملوك المشرق من الفرس وغيرهم. فلم يزل يحارب مَنْ نازعه ويواقع مَنْ واقعه ويسالم مَنْ وادعه من ملوك الفرس وهم الطبقة الأولى حتى ظهر عليهم وقهر مَنْ ناواه، وتغلَّب على مَنْ حاربه فتفرَّقوا طرائق وتمزَّقوا حزائق؛ فتوجه بالجنود نحو بلاد الصين فبدأ في طريقه بملك الهند ليدعوه إلى طاعته والدخول في ملته وولايته. وكان على الهند في ذلك الزَّمان ملك ذو سطوة وبأس وقوة ومراس يقال له فور؛ فلمَّا بلغه إقبال ذي القرنين نحوه تأهب لمحاربته واستعدَّ لمجاذبته وضمَّ إليه أطرافه وجدَّ في التألب عليه وجمع له العدَّة في أسرع مدَّة، من الفيلة المعدَّة للحروب والسباع المضراة بالوثوب، مع الخيول المسرجة، والسيوف القواطع، والحراب اللوامع. فلمَّا قرب ذو القرنين من فور الهندي وبلغه ما قد أعدَّ له من الخيل التي كأنها قطع الليل، مما لم يلقه بمثله أحد من الملوك الذين كانوا في الأقاليم، تخوَّف ذو القرنين من تقصير يقع به إن عجَّل المبارزة. وكان ذو القرنين رجلاً ذا حيل ومكايد مع حسن تدبير وتجربة؛ فرأى إعمال الحيلة والتمهُّل، واحتفر خندقًا على عسكره وأقام بمكانه لاستنباط الحيلة والتدبير لأمره وكيف ينبغي له أن يقدم على الإيقاع به، فاستدعى المنجمين وأمرهم بالاختيار ليوم موافق تكون له فيه سعادة لمحاربة ملك الهند والنصرة عليه؛ فاشتغلوا بذلك. وكان ذو القرنين لا يمرُّ بمدينة إلاَّ أخذ الصُنَّاع المشهورين من صُنَّاعها بالحذق من كل صنف؛ فنتجت له همته ودلته فطنته أن يتقدَّم إلى الصناع الذين معه أن يصنعوا خيلاً من نحاس مجوفة عليها تماثيل من الرجال على بكر تجري، إذا دفعت مرَّت سراعًا، وأمر إذا فرغوا منها أن تُحْشَى أجوافها بالنفط والكبريت وتلبس وتقدَّم أمام الصف في القلب، ووقف ما يلتقي الجمعان تضرب فيها النيران، فإن الفيلة إذا لفت خراطيمها على الفرسان وهي حامية ولَّت هاربة، وأوعز إلى الصناع بالتشمير والانكماش والفراغ منها؛ فجدُّوا في ذلك وعجَّلوا وقرب أيضًا وقت اختيار المنجمين؛ فأعاد ذو القرنين رسله إلى فور بما يدعوه إليه من طاعته والإذعان لدولته؛ فأجاب جواب مُصرٍّعلى مخالفته مقيم على محاربته. فلمَّا رأى ذو القرنين عزيمته سار إليه بأهبته وقدَّم فور الفيلة أمامه، ودفعت الرجال تلك الخيل وتماثيل الفرسان، فأقبلت الفيلة نحوها ولفت خراطيمها عليها، فلمَّا أحسَّت بالحرارة ألقت مَنْ كان عليها وداستهم تحت أرجلها ومضت مهزومة هاربة لا تلوي على شيء ولا تمرُّ بأحد إلاَّ وطئته. وتقطع فور وجمعه وتبعهم أصحاب الإسكندر وأثخنوا فيهم الجراح، وصاح الإسكندر: يا ملك الهند ابرز إلينا وأبق على عدتك وعيالك ولا تحملهم على الفناء. فإنه ليس من المروءة أن يرمي الملك بعدته في المهالك المتلفة والمواضع المجحفة، بل يقيهم بماله ويدفع عنهم بنفسه. فابرز إلي ودع الجند فأينا قهر صاحبه فهو الأسعد. فلمَّا سمع فور من ذي القرنين ذلك الكلام دعته نفسه إلى ملاقاته؛ طمعًا فيه، وظن ذلك فرصة، فبرز إليه الإسكندر فتجاولا على ظهري فرسيهما ساعات من النهار ليس يلقى أحدهما من صاحبه فرصة ولم يزالا يتعاركان. فلمَّا أعيا الإسكندر أمره ولم يجد فرصة ولا حيلة أوقع ذو القرنين في عسكره صيحة عظيمة ارتجت لها الأرض والعساكر؛ فالتفت فور عندما سمع الزعقة وظنَّها مكيدة في عسكره، فعاجله ذو القرنين بضربة أمالته عن سرجه أتبعها بأخرى فوقع إلى الأرض. فلمَّا رأت الهنود ما نزل بهم وما صار إليه ملكهم حملواعلى الإسكندر فقاتلوه قتالاً أحبوا معه الموت، فوعدهم من نفسه الإحسان ومنحه الله أكتافهم فاستولى على بلادهم وملَّك عليهم رجلاً من ثقاته وأقام بالهند حتى استوسق  له ما أرد من أمرهم واتفاق كلمتهم، ثم انصرف عن الهند وخلَّف ذلك الرجل عليهم ومضى متوجهًا نحو ما قصد له.  

حـي بن يقظـان

by ابن طفيل

فمنهم من بت الحكم وجزم القضية بأن حي بن يقظان من جملة من تكون في تلك البقعة من غير أم ولا أب ومنهم من أنكر ذلك وروى من أمره خبراً نقصه عليك فقال: انه كان بإزاء تلك الجزيرة جزيرة عظيمة متسعة الأكتاف كثيرة الفوائد عامرة بالناس يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها الأزواج إذا لم يجد لها وكان له قريب يسمى يقظان فتزوجها سراً على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم ، ثم إنها حملت منه ووضعت طفلاً ، فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن أروته من الرضاع وخرجت به في أول الليل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر وقلبها يحترق صبابةً به وخوفاً عليه ثم إنها ودعته وقالت: (اللهم انك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئاً مذكوراً ورزقته في ظلمات الأحشاء وتكفلت به حتى تم واستوى ، وأنا قد سلمته إلى لطفك ورجوت له فضلك خوفاً من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد ، فكن له ولا تسلمه يا أرحم الراحمين) ثم قذفت به في اليم. فصادف ذلك جري الماء بقوة المد فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها ، وكان المد يصل في ذلك الوقت إلى موضع لا يصل إليه بعد علم ، فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة مستورة عن الرياح والمطر محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت وتميل إذا غربت ، ثم أخذ الماء في الجزر ، وبقي التابوت في ذلك الموضع وعلت الرمال بهبوب الرياح وتراكمت بعد ذلك حتى سدت فكان المد لا ينتهي إليها وكانت مسامير التابوت قد فلقت وألواحه قد اضطربت عند رمي الماء في تلك الأجمة. فلما أشتد الجوع بذلك الطفل بكى واستغاث وعالج الحركة فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها خرج من كناسه فحمله العقاب فلما سمعت الصوت ظنته ولدها. فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه ، فحنت الظبية وحنت عليه ورئفت به وألقمه حلمتها وأروته لبناً سائغاً ، ومازالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى ، هذا ما كان من ابتداء أمره عند من ينكره التولد ، ونحن نصف هنا كيف تربى وكيف أنتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم. وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض فإنهم قالوا إن بطناً من أرض تلك الجزيرة تخمرت فيه طينه على مر السنين والأعوام حتى امتزج فيها الحار بالبارد والرطب باليابس امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى. وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جداً وكان بعضها يفضل بعضاً في اعتدال المزاج والتهيؤ وكان الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك الطينة وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جداً منقسمة بقسمين بينها حجاب رقيق ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو من أمر الله تعالى وتشبث به تشبثاً يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل إذ قد تبين أن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عز وجل وأنه بمنزلة نور الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم ، فمن الأجسام ما لا يستضيء به وهو الهواء الشفاف جداً ومنها ما يستضيء به بعض الاستضاءة وهي الأجسام الكثيفة غير الصقيلة وهذه تختلف في قبول الضياء وتختلف بحسب ذلك ألوانها ومنها ما يستضيء به غاية الاستضاءة وهي الأجسام الصقيلة كالمرآة ونحوها ، فإذا كانت هذه المرآة مقعرة على شكل مخصوص حدث فيها النار لإفراط الضياء.  

شرح تشريح القانون

by ابن النفيس

قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وجملة العظام دعامة وقوام للبدن وما كان من هذه العظام إنما يحتاج إليه للدعامة فقط أو للوقاية ولا يحتاج إليه لتحريك الأعضاء فإنه خلق مصمتاً وإن كان فيه المسام والفرج التي لا بد منها‏.‏ إلى قوله‏:‏ والعظام كلها متجاورة متلاقية‏.‏ الشرح كل عضو ولا بد أن يكون في جرمه خلل ينفذ فيه الغذاء إلى عمقه وهذا الخلل إن لم يكن محسوساً سمي مساماً ويسمى ما كان خلله من العظام كذلك مصمتاً لأنه مصمت في الحس وإن كان ذلك الخلل محسوساً فإما أن يكون متفرقاً في جرم العضو كما في عظم الفك الأسفل فيسمى ما كان من العظم كذلك هشاً متخلخلاً أولا يكون متفرقاً في جرمه بل مجتمعاً في موضع واحد فيسمى ما كان من العظام كذلك مجوفاً‏.‏ وكل عظم فإما أن يكون صغيراً جداً كالأنملة بل كالعظام السمسمانية فلا يحتاج فيه إلى تجويف محسوس لأن هذا لصغره يتمكن الغذاء من النفوذ إلى قعره بسهولة لقصر المسافة أولا يكون صغيراً‏.‏ فإما أن يكون المقصود منه الحركة أو آلة الدعامة والوقاية أو مجموع الأمرين‏.‏ والحركة تحوج إلى الخفة وذلك يقتضي التجويف‏.‏ والدعامة والوقاية يحوجان إلى قوة الجرم وذلك يحوج إلى عدم التجويف وإذا اجتمع الأمران روعي كل واحد منهما وتكون أكثر العناية مصروفة إلى الأهم منها وهو الذي الحاجة إليه من ذلك العظم أشد فلذلك خلق عظم الفك الأسفل كثير التجويف متخلخلاً لتكون خفته كبيرة إذ معظم الحاجة إليه إنما هو الحركة‏.‏ وخلق العظم الوتدي مصمتاً لشدة الحاجة فيه إلى الدعامة والوقاية والوثاقة مع عدم الحاجة إلى الحركة‏.‏ وخلق كل واحد من عظمي الساق والساعد ذا تجويف واحد لاجتماع الغرضين فيه‏.‏ لأن عظم الساق مجوفاً يحتاج إلى قوة الجرم ليكون قوياً على حمل البدن ويحتاج إلى الخفة لأجل سهولة الحركة ففائدة تجويفه أن يكون أخف وفائدة توحيد التجزيف أن يبقى جرمه قوياً فتجتمع الخفة من القوة وهذا كما في القنا والقصب‏.‏ قوله‏:‏ وجعل تجويفه في الوسط واحداً ليكون جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة‏.‏ أما أن هذا التجويف يكون في الوسط فلأمرين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن التجويف لو مال إلى جهة لضعف جرم العظم من تلك الجهة فكان يتهيأ للانكسار منها وذلك لأن الجوانب إذا كانت كلها متساوية في القوة لم يمكن الانكسار من جهة منه أولى منن غيرها فيكون حصوله أعسر ولو كان كل واحد من الجوانب أضعف من الجانب الذي ضعف لو حده وكذلك فإن الصفارين ونحوهم يحزون الموضع الذي يريدون الانكسار منه حزاً يسيراً فينكسر المنحز من ذلك الموضع أسهل مما لو كان جرمه من كل جانب بتلك القوة وما ذلك إلا لتعيين موضع يكون أولى بالانكسار‏.‏ وثانيهما: وأما أن هذا التجويف يكون واحداً فلأنه لو كان كثيراً لضعف جرم العظم لأجل تخلخله‏.‏ وأما قوله‏:‏ ليكون جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة منه فهو مشكل‏.‏ وذلك لأن اللازم لكون التجويف غير واحد‏.‏ وهو أن يكون كثيراً متفرقاً في جرم العظم ويلزم ذلك أن يكون جرمه ضعيفاً‏.‏ وأما أن مواقف الغذاء تكون كثيرة متفرقة فإنما يلزم لو كان التجويف صغيراً حتى لا يبقى الواحد بأن يكون كافياً في التغذي فيحتاج أن يكون كثيراً فيكون ذلك تقليلاً لفائدة خلقه ذلك التجويف عظيماً لكونه واحداً وقد ذكر الشيخ للمخ ثلاث فوائد‏.‏ إحداها: أن يغذ العظم وقد تكلمنا في ذلك فيما سلف‏.‏ وثانيتها‏:‏ أن يرطبه حتى لا يجف بالحركة حركة وإنما ذكر فائدة الترطيب ولم يذكر فائدة التغذية‏.‏ لأن فائدة التغذية معلومة‏.‏ بل هي فائدة مستقلة بنفسها فيكون السكوت عنها غير مستقبح ولا كذلك فائدة الترطيب‏.‏ فإنه قد يظن أنه ضار بالعظم وخصوصاً الذي يراد أن يكون جرمه قوياً لأن قوة العظم تتبع صلابته والترطيب يمنع الصلابة‏.‏ وثالثها‏:‏ أن يكون العظم كالمصمت مع كونه مجوفاً‏.‏ ولقائل أن يقول‏:‏ إن هذا مما لا أثر له في زيادة القوة فلا يصلح أن تكون فائدة فيها‏.‏ قوله‏:‏ والتجويف يقل إذا كانت الحاجة إلى الوقاية أكثر ويكثر إذا كانت الحاجة إلى الخفة أكثر‏.‏

الأربعين حديثا النووية

by محيي الدين النووي

عن عمر رضي الله عنه أيضا، قال: بينما نحن جالسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا احد، حتى جلس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: "يا محمد أخبرني عن الإسلام"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)، قال: "صدقت"، فعجبنا له، يسأله ويصدقه؟، قال: "فأخبرني عن الإيمان"، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)، قال: "صدقت"، قال: "فأخبرني عن الإحسان"، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، قال: "فأخبرني عن الساعة"، قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)، قال: "فأخبرني عن أماراتها"، قال: (أن تلد الأم ربتها، وان ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال: (يا عمر أتدري من السائل؟)، قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال: (فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم). رواه مسلم.  

كتاب الموسيقى الشرقي

by محمد كامل الخلعي

الموسيقى هو علم يبحث فيه عن أحوال النغم من جهة تأليفه اللذيذ والنافر ـ وعن أحوال الأزمة المتخللة بين النغمات من جهة الطول والقصر. فعلم أنه يتم بجزئين: الأول علم التأليف وهو اللحن ـ والثاني علم الإيقاع وهو المسمى أيضًا بالأصول. (فالنغمات) جمع نغمة بالتحريك وهي (لغة) الصوت الساذج الخالي من الحروف ـ و(اصطلاحًا) الصوت المترنم به. (واللحن) بالسكون (لغة) صوت من الأصوات المصوغة و(اصطلاحًا) ما ركب من نغمات بعضها يعلو أو يسفل عن بعض على نسب معلومة ـ (والنغم للحن كالأحرف للكلام)ـ ثم يرتب ترتيبًا موزونًا ـ أي أنه يصاغ على أحد الأوزان التي سنذكرها بعد. ويقرن بشيء من الشعر أو غيره من سائر الفنون السبعة التي هي ـ القريض ـ والدويت ـ والموالي ـ والموشح ـ والزجل ـ والقومة ـ وكان وكان. وهذا التعريف جامع مانع؛  

تربية المرأة والحجاب

by محمد طلعت حرب

الفضل في فتح باب هذا البحث لكتاب تحرير المرأة الذي وضعه حضرة الفاضل قاسم بك أمين يقول فيه: إن المرأة مساوية للرجل من جميع الوجوه، وإن الرجل ظالم لها في حقوقها، ويحثُّ فيه على تربيَّـة المرأة وتعليمها كما يتعلَّم الرجل سواءً بسواءٍ، ويقول بلزوم رفع الحجاب، ووجوب الاختلاط؛ لأن حجاب المرأة وعدم اختلاطها مما يقيِّد حريَّـتها التي منحها الله إيَّاها، ويمنع من قيامها بالعمل المكلَّـفة به في الهيئة الاجتماعية، إلى آخر ما يدعو إليه، ولم يكد يظهر هذا الكتاب في عالم الوجود حتى أُشِيع في بعض الجرائد أنه تألَّـفت لجنة في مصر تحت رعاية عظيم بها لتحرير المرأة الشرقيَّـة على الطريقة التي أشار إليها حضرة المؤلِّـف في كتابه، وأخذ الناس من ذلك الوقت يبحثون في موضوع الكتاب، وما احتوى عليه من أفكار وأماني؛ ولقد انقسموا حزبين: حزبًا يرى رأى المؤلِّـف وهم قلائل يُعدُّون على الأصابع، والحزب الآخر وهو الأعظم عددًا أجمع على استهجان ما ورد بالكتاب، ويقول إنه يدعو إلى بدعة في الدين لا في العوائد فقط، وكلا الحزبين مسلم، والحمد لله بأن الدين لا يمنع مطلقًا من تعليم المرأة وتربيتها وتهذيبها بل هو يحضُّ على ذلك، ويأمر به، ولكنهما يختلفان فيما ينبغي أن تعلمه المرأة، وفي طريقة التعليم والتهذيب. ولمَّا رأينا هذا الجدال والكفاح بين فريقين يعزِّز كل منهما قوله بالشرع، ويقول إن الحق والدين في جانبه، ورأينا أنه لم يكد يخلو مجتمع من الكلام في هذا الموضوع تاقت نفسنا إلى البحث والتنقيب والدخول فيه، ونحن نعرض على القُرَّاء نتيجة بحثنا، فإن أخطأنا فلنا من حسن النيَّـة ما نرجو معه غفران سيئات خطئنا، وإن أصبنا المرمى- كما نظنُّ- فلسنا نسأل على عملنا أجرًا فنقول: أول شيء طرأ على ذهننا حين قرأنا الكتاب، ورأينا الناس أخذت تسلق حضرة المؤلِّـف بألسنة حداد، ويحملون عليه وعلى كتابه حملات لم نتعوَّدها على مؤلِّـف غيره من قبل أن لا بُدَّ في الأمر من شيء مهم حمل الناس على ذلك؛ إذ لا يمكن أن يجتمع كل الناس على ضلالة، ولا يخفى أن ألسنة الخلق أقلام الحق؛ فأخذنا نسأل ونتساءل ونبحث ونتناظر حتى علمنا أن معظم هياج الرأي العام على حضرة المؤلِّـف ناتج مما هو راسخ في أذهانهم من أن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنيَّـة تتمنَّـاها أوروبا من قديم الزمان لغاية في النفس يدركها كلُّ مَنْ وقف على مقاصد أوروبا بالعالم الإسلامي، ويقولون: إن "للأوروباوبين مطامع قديمة، ومآرب في النفس يظهرها "زيادة التقرُّب من العالمين الشرقي والغربي حتى أن بعض أمراء المسلمين" "اتَّخذ هذه المقاصد ذريعة يتقرَّب بها إلى بعض دول أوروبا في نيل" "مآربه؛ ومن ذلك أن إسماعيل باشا خديوي مصر الأسبق لمَّا كانت" "نفسه تميل إلى الاستقلال، وتكوين مملكة مستقلَّة بأفريقيا يحكمها هو" "ومَنْ يأتي بعده من أولاده كان عاملاً على جذب دول أوروبا إليه"؛ "لتساعده على تحقيق أمنيَّته في مقابلة تحقيقه أمنيَّتهم بأن يدخل العادات" "الإفرنكية بين أمَّـته مما كان يظنُّه سهل المنال حتى أنه كان كثيرًا ما يتظاهر" "ويقول إن مصر قطعة من أوروبا، وإن أخلاق المصريين وعوائدهم التي" "ورثوها ستصبح بمساعيه بعد قليل مماثلة لعوائد أوروبا وأخلاقها ليكون" "له من ذلك وسيلة يتقرَّب بها إليهم لما رآه وعلمه من مخالطة أمرائهم" "وعلمائهم وأرباب الأفكار والسياسة منهم الذين يعلمون حقَّ العلم أنه لم" "يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي – في المشرق لا في مصر" "وحدها – إلاَّ أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل بل الفساد الذي عمَّ" "الرجال في المشرق.

عنترة بن شداد الجزءالثاني

by مجهول

وكان بسطام قويًّا قلبه، وأراد أن يطلق رأس الجواد، فما مكنه عنتر بن شداد، بل أدركه وزعق فيه وطعنه بعقب الرمح فألقاه على وجه الأرض، وقال لأخيه شيبوب: شد كتافه حتى ننظر ما يجري بيننا وبين القادمين، فنظر نجاد إلى هذا الحال، فقال لمن معه: يا ويلكم، خذا هذا الأسود ابن ملكنا بسطام وشداه في الاعتقال، وإني أقول إنه ما قدر عليه إلا من خوفه من هذه الفرقة العبسية التي لحقت بصاحبها، حتى تعينه على هذه القضية، كما لحقنا نحن صاحبنا فدونكم وإياهم، فارفعوهم على أسنة الرماح وأنا أمزق جسد هذا الأسود، وأطلق لمولانا السراح لأني أقول: إن هذا الفارس هو عنتر، الذي قد سار بسطام ليأتي برأسه، ثم إنه حمل يطلب عنتر في خمسين فارسا، وحملت بقية الثلاثمائة فارس على عمارة ورفقته مثل السود القناعس، وقد قلوا في أعينهم وداروا بهم وتفرقوا كراديس ومواكب، فعند ذلك لزم بنو عبس القتال خوفًا من المهالك، فانظر أيها السامع إلى هذه الأشياء التي تحير العقول، فإن عمارة قد أتى يقاتل عنتر فصار معينا له بغير علمه واختياره، واحتاج أن يقاتل معه، ويخلص نفسه فزعا من العطب، ولو أمكنه الهروب من ذلك لهرب، ولكن ما قدر على ذلك لأن الأعداء قد أحدقت بهم من سائر الجهات والممالك، فقاتل وبذل المجهود وتزاعقت عليهم الفرسان مثل الأسود، وتواثبت الشجعان مثل الفهود، واقشعرت الجلود، وقدحت حوافر الخيل النار في الجلمود، وخيم الغبار على رأسهم حتى بقي مثل الرواقي الممدود، وفاضت الدموع على الخدود، وقدت الصوارم الهامات والقدود، وخفقت الرايات والبنود، وتلهجت في الأحشاء نار الحقود، وعادت وجوه الأبطال سود، من كثرة الغبار الممدود، ومما جرى عليها من نقض المواثيق والعهود، وشربت الأودية من أدمية الفرسان والكبود، وخسرت بنو زياد في ذلك اليوم المشهود، ورأت مقام عنتر في ذلك الوقت محمود، وأيقن عمارة أنه هالك من بين أهله ومفقود، وكاد أن يموت من الحسد، وعاد متنغصا مكمود، ثم إنه افتقد أصحابه فوجدهم قد فقد منهم خمسون فارسا، والباقون أشرفوا على الهلاك، فعندها قال عمارة: النجاة، ثم إنه لوى عنان جواده وولى هاربا، فتبعه عروة ومن بقي من رجاله، وهم لا يصدقون بالنجاة.

السيف والنار فى السودان

by سلاطين باشا

عدنا في التمهيد الذي وضعناه لكتاب "التاريخ السري لاحتلال انجلترا مصر" لمستر ويلفرد سكاون بلنت أن نصدر من بعده كتاب "السيف والنار في السودان" لسلاطين باشا, وهذان الكتابان يعدان من المستندات التاريخية التي لابد من الإطلاع عليها لمعرفة الحوادث التي تقلبت على مصر والسودان من خمسين سنة وهي الحوادث التي ما زلنا نعاني نتائجها إلى الآن. فاليوم ها نحن نبرز كتاب "السيف والنار في السودان" وفاء بذلك الوعد ورغبة في أن تكون له الفائدة المرجوة في خدمة تاريخ مصر الحديث. وسلاطين باشا، مؤلف هذا الكتاب، هو ضابط نمساوي ولد سنة 1857م في فيينا وجاء إلى مصر سنة 1878م ودخل في خدمتها فعينه غوردون باشا حاكمًا لدارفور سنة 1884 ولكن لم يمض عليه في منصبه هذا قليل حتى اعتقلته جيوش المهدي فبقى أسيرًا يَدعي الإسلام والإيمان بالمهدوية إلى سنة 1895م وحينئذ فر إلى الجيش المصري واشترك معه في استرداد دنقلة وأم درمان. وبقى سلاطين باشا بعد ذلك موظفًا في حكومة السودان بين سنة 1900 وسنة 1914 ثم أعلنت الحرب العالمية فترك الخدمة في السودان وعاد إلى النمسا ودخل في خدمة الصليب الأحمر. ولما عقدت الهدنة سنة 1918 انتدب عضوًا في بعثة الصلح في باريس. وقد نقل هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزية السير ونجت باشا الذي كان حاكمًا للسودان ثم معتمدًا لانجلترا في مصر. وهذه الترجمة الإنجليزية هي التي اعتمدنا عليها في التعريب.  

الغـرر في فضـائل عـمـر

by جلال الدين السيوطي

هذه أول دراسة تولي شخصية تراثية عناية كاملة؛ إذ أن كل الأعمال النقدية والفكرية قبل ذلك، لم تهتم بالشخصيات التي يمكن أن يكون استلهامها في إطار الفكر ظاهرة بذاتها، جديرة بالتأمل والنظر. وقد كان الهدف الرئيسي هو ملء الفراغ الذي تركته مثل هذه الدراسات في ذلك الميدان، كما كان الهدف الأسمى أن هذا النوع من الدراسات ينطلق من حتمية أن التراث هو الينبوع الحي المتدفق، الذي يلجأ إليه الكاتب العربي؛ ليجد فيه الراحة وتجديد العزم، ومن ثم الإسهام في رسم الخطوط العامة للفكر في عصره، سواء ما يخلو منه أو ما يجب أن يكون عليه، وهذا، فيما نرى يعد من أهم أهداف الأدب في أي زمان ومكان. وإذا كانت هذه الدراسة قد تلمست في تفسير الظاهرة التراثية منهجًا قريب الشبه بمنهج حديث يعرف اليوم؛ بإسقاط الفكر على الحادثة التاريخية لإعادة تحليلها فكريًا، فقد أضفنا إلى الممارسة التاريخية والفكرية كل النصوص (الأدبية) التي كتبت عن شهرزاد في العصر الحديث، بقصد إعادة فتح ملف" توظيف" التراث في بعض نواحيه، وإعادة قراءته من جديد. وعلى هذا النحو فإن وضع النص الأدبي، بجزئياته وملابساته العامة والذاتية؛ تحت مجهر البحث العلمي، وتلمس وجهات نظر الأدب والنقد والتاريخ؛ هو هدف البحث لإعادة كشف الكثير في خارطة الفكر العربي. *** يدور إطار البحث حول (توظيف شخصية شهرزاد في الفكر العربي الحديث) وهو آخر أشكال الكاتب بموروثه الفلكلوري، ويمكننا في تتبع فصول الكتاب تحديد درجة هذه العلاقة من حيث درجة النجاح أو الإخفاق. وينقسم الكتاب إلى مدخل وستة فصول.. يعالج الفصل الأول فيه نقطتين هامتين؛ يعدان الركيزة الأساسية التي تسترشد بهما الدراسة فيما بعد، أحداهما، تتبع المنحنى التاريخي الذي سارت فيه شهرزاد منذ خرجت من إطار (الليالي) إلى الغرب حتى عادت منه إلى الشرق ثانية، وقد تغيرت كثيرًا أثناء الرحلة التي بلغت قرابة سبعة قرون، فتحول فيها الكثير من سماتها الشرقية وعروبتها؛ ليلتقي بها مفكرونا في بدايات هذا القرن؛ إذ كانت خطوط الفكر العربي، حينئذ وتلك هي النقطة الأخرى، تتشكل، حين كان كتابنا ومثقفونا يدخلون دائرة المحاق؛ حيث الحيرة والارتداد والمحاكاة. أما الفصل الثاني فينطلق من الفكر الجمالي؛ لنتعرف على شهرزاد من خلال المذاهب الغربية المختلفة، كالرومانسية والرمزية خلال القرن الثامن عشر، ليتوقف عند استلهامها في الفكر العربي في الحقبة الأخيرة؛ حيث كانت مرحلة التأثر بتلك المذاهب (لا التمذهب) من جانبنا تغلب على كل تطوراتنا الفكرية والأدبية، فكان أهم ما توصلت إليه تلك الدراسة، وأكده استلهام النموذج أن معالجة أعمال كتابنا الكبار لا يجب أن تتم من خلال مذهب أوروبي؛ إذ إن كل من حاول ذلك من كتابنا أكدوا على أنهم لم يكونوا مذهبيين بالمعنى العلمي لهذه الكلمة. وتتجمع كل خطوط (الفكر الاجتماعي) لتصب في نفس المجرى في الفصل الثالث، حين تؤكد الدراسة، على أن جهد كتابنا على امتداده وتوسعه في معاني الحرية والديمقراطية والعدالة، إنما جاء بدلالاته الاجتماعية والفكرية، مقترنًا بالنزعة الوجدانية التي يلمسها فكرنا العربي منذ فترة مبكرة من تطوره، وقد انعكس هذا كله في جنوح مثقفينا إلى المثالية والميثولوجيا (الأسطورة) أكثر من انحيازهم إلى الخط الاجتماعي، وما ترتب عليه من فقدان كثير من الرؤى الجادة، التي كان من الممكن الوصول إليها، كالفكرة العربية التي كان وضوحها مرهونًا بطبيعة التغيرات الحضارية خاصة الاجتماعية منها. ونصل للفكرة العربية في الفصل الرابع، لنرى في التوظيف القليل لشهرزاد عدم تبين المساحات الشاسعة بين الفكرة العربية والفكرة الإسلامية ومن ثم، إخفاق كتابنا في تبين الوعي القومي، والفهم العلمي الذي يمكن أن يؤدي مع النضج إلى فكرة (الوحدة العربية). وقد حرص الكاتب في ذلك الفصل أن يبتعد عن إثبات عروبة شهرزاد، فإنه فضلاً عن أن ذلك قد حسم إلى العربية من قبل، فإنه ليس مجالنا هنا بأية حال. وتلتقي كل الخطوط الفكرية وتفترق في الفصل الخامس؛ حيث نجد في موقف المثقف العربي كل ما من شأنه أن يلقي عليه اللوم بشدة، فليس لدى ذلك المثقف(أيديولوجية) واحدة، كما أنه ليس لديه رؤيا واعية للجماهير أو عن الجماهير، ومع هذا فإن هذا المثقف دائم التردد والارتداد، دائب التراجع والحيرة. وفي الدراسة التحليلية التي خصص الباحث لها الفصل الأخير، لم يحاول أن يعيد ما سبق أن طرحه، كما قد يتصور البعض، بل حاول تجميع خيوط رؤيا تحليلية

الاتقان في علوم القرآن

by جلال الدين السيوطي

وأنواع القرآن شاملة وعلومه كاملة فأردت أن أذكر في هذا التصنيف ما وصل إلى علمي مما حواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف‏.‏ وينحصر في أمور‏:‏ الأول‏:‏ مواطن النزول وأوقاته ووقائعه وفي ذلك اثنا عشر نوعاً‏:‏ المكي المدني السفري الحضري الليلي النهاري الصيفي الشتائي الراشي أسباب النزول أول ما نزل آخر ما نزل‏.‏ الأمر الثاني‏:‏ السند وهو ستة أنواع‏:‏ المتوتر الآحاد الشاذ قراءات النبي صلى الله عليه وسلم الرواة الحفاظ‏.‏ الأمر الثالث‏:‏ الأداء وهوستة أنواع‏:‏ الوقف الابتداء الإمالة المد تخفيف الهمزة الإدغام‏.‏ الأمر الرابع‏:‏ الألفاظ وهوسبعة أنواع‏:‏ الغريب المعرب المجاز المشترك المترادف الاستعارة الأمر الخامس‏:‏ المعاني المتعلقة بالأحكام وهوأربعة عشر نوعاً‏:‏ العام الباقي على علومه العام المخصوص العام الذي أريد به الخصوص ما خص فيه الكتاب السنة ما خصت فيه السنة الكتاب المجمل المبين المؤول المفهوم المطلق المقيد الناسخ المنسوخ نوع من التناسخ والمنسوخ وهوما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين‏.‏ الأمر السادس‏:‏ المعاني المتعلقة بالألفاظ وهوخمسة أنواع‏:‏ الفصل الإيجاب الإطناب القصر‏.‏ وبذلك تكملت الأنواع خمسين ومن الأنواع ما لا يدخل تحت الحصر‏:‏ الأسماء الكنى الألقاب المبهمات‏.‏  

سيرة الأميرة ذات الهمة وولدها عبدالوهاب - جزء1

by ليس موجود

قال الراوي: ومن جملة من خرج إليه عمرو بن عبد الله وهو يقول ادع لنا يا أخينا في الله، وأما أبا محمد البطال لما رأى الناس يهرعون سأل عن ذلك، فقال له بعض الإخوان فاز بالسعادة من فاز هذا القاضي قد قدم من أرض الحجاز فسار أبي محمد البطال من جملة الناس إلى أن وصل إليه، فرآهم يقبلون قدميه والشاطر من يصل إليه، وهو يبكي فما زال البطال يضحك إلى أن قرب منه، ووقعت عينه عليه فقال عقبة يا ولد يا بطال العاقبة إليك نزور البيت العتيق، وتزول عنك الذنوب، ويصل إليك التوفيق وتعاين ذاك المكان تحقيق، فقال البطال والله يا قاضي ما أنا إلا زرت البيت الذي كنت فيه، لكن ما غطست في جرن البركة الذي أنت غطست فيه، فقال عقبة وقد عدم رشاده وخفق من ذلك فؤاده، ويلك يا بطال إيش هذا الكلام وهذا الفضول الذي تقوله، وإذا بالأمير عمرو بن عبد الله قد وصل، فقال يا ولدي يا عمرو والله يوصل إليك ما دعوت لك في صحيفتك من الدعاء في البيت الحرام وزمزم والمقام، ثم ركب على ظهر بغلته بعد السلام والناس من وراه منقلبة، وكان البطال لما وقع بالقنديل قدمه للأمير عبد الوهاب، ففرح به فرحًا شديدًا ما عليه من مزيد، وكان البطال كره المقام بين بني سليم، وقال وحق المصطفى لا أقمت في مكان فيه عقبة بعد أن رأيت بعيني ما فعله، ولا بد أن أكون لهلاكه سبب، وأنحره كما أنحر الغنم، ثم طلع إلى قلعة الكوكب وأطلع الأميرة على القنديل، وقال هذا الذي تأسفتي عليه، وطلبتيه من الملك العلام، بأن يكون معلق في البيت الحرام، ثم حدثهم بحديث عقبة وما جرى له فقالت الأميرة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصعب على الأمير عبد الوهاب وقال للبطال على ماذا عولت أن تفعل، فقال انتقل من عندكم وأجعل معولي على الله، ثم عليكم وأنحر هذا اللعين فإني سمعته يوعد كلب الروم بهلاكك ويجعل بلاد الإسلام للروم والكفرة اللئام، ويملك البيت الحرام فقال عبد الوهاب ساءت ظنونه وأعماله وقطعت أوصاله ولا بد لي إن شاء الله أن أصلبه على باب الذهب الذي تنصر فيه، ولو احتمى بكل من كفر، وما قدر هذا الكلب إلا كلب حتى يذكر بيت الله الحرام، وزمزم والمقام، وأنت أخي من الدنيا والآخرة، لك ما لي وعليك ما عليَّ، ثم إنه أمر غلمانه أنهم ينقلون أسباب البطال من ملطية إلى قلعة الكوكب، وكانت ثلاثة جوار روميات وعشرة غلمان والكل علمهم الاحتيال والخداع، وجرأهم على الأهوال وأقام البطال في قلعة الكوكب وأعلم الأمراء بإسلام مارس ودارس، وأختهم أرمانوسة، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا ما عليه من مزيد، وقالت الأميرة سبحان الله من أيقظ هؤلاء من سنة الغفلة وأضل عقبة من علمه وفضله، ولكن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولم يزل البطال في قلعة الكوكب إلى أن سمع بوصول عقبة، فقال لا بد لي من الخروج إليه، ثم إنه خرج كما ذكرنا وكلم عقبة بما وصفناه، وعاد البطال إلى قلعة الكوكب وأعلم الأمير بقدوم عقبة، وكيف وصل من الحجاز، فقالت الأميرة إن قتله عند الله أعظم أجر من فتح القسطنطينية، لأنه يلعب بالأديان ويكفر بالرحمن، ثم أقاموا إلى أن أصبح بالصباح، وإذا برسول الأمير عمرو وصل إليهم يطلب الأمير أبو محمد البطال، وأيضًا يطلب القنديل ويأخذ من البطال حق القصاص بما يتكلم في حق عقبة ويقابله بما يستحقه، وأما القنديل يوصله إلى الأمام فإنه ولي الأحكام. قال الراوي: وكان السبب في ذلك الملعون عقبة لأنه لما وصل إلى ملطية وعلم أن البطال شنع عليه بهذه الأقوال الرديئة، وأيضًا بالغ في تشديد هذه القضية، وأنه اطلع على تنصره فقال أنا اعلم أن هذا الصبي يكشف سري بما رأى مني، فلم ينم تلك الليلة حتى ملأ قلب عمرو بن عبد الله، وقال له يا ولدي أنت هاهنا ملك العربان وأمير الثغور في كل مكان، وما نريد يتم أمر إلا ونعلم به الخليفة أمير المؤمنين، وإلا إن دمت هكذا انتقصت منزلتك عند الأمراء وعند الخاص والعام، وأيضًا تستطيل بني عامر وبني كلاب على بني سليم، وما ينبغي أن تكون بني سليم تحت الذل والضيع، وينبغي أنك ترسل تطلب القنديل لأن البطال دخل إلى القسطنطينية وسرق مالاً جزيلاً، ومن جملته ذلك القنديل وهو من الصواب إنك تطلبه وتطلب أيضًا البطال حتى أنه يقوم إليَّ ذليل، وأقبح بما قال في حقي لأنه رماني بالزور والبهتان، وتكلم في حقي بالكفر والطغيان، وسوف يكون لهلاكه سبب، وإذا لم نقيم ناموس الإمارة وإلا حلت بنا كل الخسارة.  

Aaron Copland and His World (PDF)

by Judith Tick Carol J. Oja

Aaron Copland and His World reassesses the legacy of one of America's best-loved composers at a pivotal moment--as his life and work shift from the realm of personal memory to that of history. This collection of seventeen essays by distinguished scholars of American music explores the stages of cultural change on which Copland's long life (1900 to 1990) unfolded: from the modernist experiments of the 1920s, through the progressive populism of the Great Depression and the urgencies of World War II, to postwar political backlash and the rise of serialism in the 1950s and the cultural turbulence of the 1960s. Continually responding to an ever-changing political and cultural panorama, Copland kept a firm focus on both his private muse and the public he served. No self-absorbed recluse, he was very much a public figure who devoted his career to building support systems to help composers function productively in America. This book critiques Copland's work in these shifting contexts. The topics include Copland's role in shaping an American school of modern dance; his relationship with Leonard Bernstein; his homosexuality, especially as influenced by the writings of André Gide; and explorations of cultural nationalism. Copland's rich correspondence with the composer and critic Arthur Berger, who helped set the parameters of Copland's reception, is published here in its entirety, edited by Wayne Shirley. The contributors include Emily Abrams, Paul Anderson, Elliott Antokoletz, Leon Botstein, Martin Brody, Elizabeth Crist, Morris Dickstein, Lynn Garafola, Melissa de Graaf, Neil Lerner, Gail Levin, Beth Levy, Vivian Perlis, Howard Pollack, and Larry Starr.

Refine Search

Showing 1 through 25 of 1,050 results

Help

Select your format based upon: 1) how you want to read your book, and 2) compatibility with your reading tool. To learn more about using Bookshare with your device, visit the Help Center.

Here is an overview of the specialized formats that Bookshare offers its members with links that go to the Help Center for more information.

  • Bookshare Web Reader - A customized reading tool for Bookshare members offering all the features of DAISY with a single click of the "Read Now" link.
  • DAISY (Digital Accessible Information System) - A digital book file format. DAISY books from Bookshare are DAISY 3.0 text files that work with just about every type of access technology that reads text. Books that contain images will have the download option of ‘DAISY Text with Images’.
  • BRF (Braille Refreshable Format) - Digital Braille for use with refreshable Braille devices and Braille embossers.
  • MP3 (MPEG audio layer 3) - Provides audio only with no text. These books are created with a text-to-speech engine and spoken by Kendra, a high quality synthetic voice from Ivona. Any device that supports MP3 playback is compatible.
  • DAISY Audio - Similar to the DAISY option above; however, this option uses MP3 files created with our text-to-speech engine that utilizes Ivonas Kendra voice. This format will work with Daisy Audio compatible players such as Victor Reader Stream and Read2Go.
  • EPUB - A standard e-book format that can be read on many tools, such as iBooks, Readium or others.
  • Word - Accessible Word output, which can be unzipped and opened in any tool that allows .docx files

To access Bookshare Web Reader, you must use a compatible device or browser. Learn more.